
شَعْبانُ ونِصْفُهُ وأَهَمُّ نَفَحاتِهِ
كُتبت منذ 6 أيام
عن أسامةَ بنِ زيد رضي اللهُ تعالى عنه قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ لَمْ أَرَكَ تصومُ مِنْ شَهرٍ مِنَ الشهورِ ما تصومُ مِنْ شعبانَ ؟ قال ﷺ :
«ذاكَ شَهرٌ يَغْفُلُ النَّاُس عنه بينَ رَجَبَ ورمضانَ، وهو شَهرٌ تُرْفَعُ فيه الأعمالُ إلى رَبِّ العالَمِينَ، وأُحِبُّ أنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وأنا صائمٌ»
|رواه النسائي بسند حسن|
· لم أركَ تَصومُ مِنْ شهرٍ ما تَصومُ في شعبانَ؛ فيه مُتابَعَةُ الصَّحْبِ الكرامِ رضي الله تعالى عنهم النبيَّ ﷺ في أفعالِهِ وأحوالِه حِرصاً منهم على الائتساء به بمعرفةِ سُنَّتِهِ واغْتِناماً للعملِ بِمُقْتَضَى ذلك.
·ذاك شهرٌ يَغْفُلُ النَّاسِ عنه بينَ رجَبَ ورمضان؛ تَنْبيهٌ للأمة على فَضْلِ اللهِ تعالى عليها في توالي الْمِنَنِ بِمواسِمِ الخيراتِ كما وردَ في الخبرِ : «إنَّ للهِ في أيامِ دَهْرِكُمْ نَفَحاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَها، فَلَعَلَّ أحدَكُمْ أنْ تُصِيبَهُ نَفْحَةٌ، فَلا يَشْقَى بَعدَها» فَشَعبانُ مُغْتَنَمُ السالِكِين طريقَ اللهِ إلى مَنابِعِ البَرَكَةِ ، وموئلُ الْمُقْبِلِينَ على اللهِ تعالى للقَبُولِ، ومجالُ استعدادِهِمْ لما يُرْضِي الحَقَّ في خُلاصَةِ السَّنَةِ كُلِّها -شهرِ رمضان المبارك- الذي جُعِلَ مَرْتَعَ العباداتِ النَّاهِضاتِ مِنْ أجْلِ الدُّخولِ في مِحرابِ العَفْوِ عن جميعِ الزَّلات.
·تُرْفَعُ فيه الأعمالُ إلى رَبِّ العالَمِينَ؛ فيه توجيهُ الحبيبِ الأعظمِ ﷺ عبادَ الله تعالى إلى أَخْذِ الحَذَرِ مِنِ اقترافِ الأعمالِ الْمَقِيتَةِ، وذلك بمراقبة النَّفْسِ فيما يَصْدُرُ عنها لأَنَّها تُرْفَعُ إلى اللهِ تعالى، فالعاقلُ مَنْ يَعرِجُ إلى علياء الشرف بالعملِ الطَّيِّبِ لِيُرْفَعَ بالقَبُولِ كما في بيانِهِ الجليل : (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرْفَعُهُ) فاطر/١٠
· فأحِبُّ أنْ يُرْفَعَ فيه عَمَلِي وأنا صائمٌ؛ فَشَعبانُ بابٌ مِنْ أبوابِ الرَّحْمَةِ يَتَجَلَّى فيه اللهُ تعالى على عِبادِهِ بِتَذْليلِ العبادةِ في نِظامٍ نبويٍّ هادٍ؛ ألا وهو الصيامُ ذلك أنَّ الصيامَ عبادةٌ جامِعَةٌ لِما فيها مِنْ كَسْرِ النَّفْسِ بمخالَفَتِها عن الشهوتَيْنِ في تَطويعِها على ما يُرْضِي اللهَ تعالى مِنْ أحَبِّ الأعمالِ إليه سبحانه وهي : ذلِكُمُ الكَفُّ عما تهواهُ تلكَ النَّفْسُ وتَرْغَبُهُ وتأْلَفُهُ.
·ليلةُ النِّصْفِ مِنْ شَعبانَ؛ هي واسِطَةُ عِقدِ الشهرِ، وقد وردَ في فَضَلِها العديد مِنَ الأحاديثِ منها ؛ الضعيف، ومنها؛ الْمَراسيلُ الجَيِّدَةُ، ومنها؛ الصحيحُ بشواهِدِهِ ، كما في صحيحِ ابنِ حبانَ وغيرِهِ مِنْ حديثِ مُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضي اللهُ تعالى عنه عن النبيِّ ﷺ قال: «يَطَّلِعُ اللهُ إلى جميعِ خَلْقِهِ ليلةَ النِّصْفِ مِنْ شعبانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إلا لِمُشْرِكٍ، أو مُشاحِنٍ» ، فَهي ليلةٌ شَريفَةٌ مُنيفةٌ وَسَطَ الشَّهْرِ وليلةَ يومٍ مِنَ الأيَّامِ البِيضِ التي نَدبَ رسولُ اللهِ ﷺ لصيامِها فَفَضْلُ يومِها بِفَضْلِها، ناهيكَ عنْ أنَّهُ يومٌ مِنْ أيّامِ شعبانَ الذي كانَ يَصومُ أكثرَهُ ﷺ، وعليه؛ فَلا يُلْتَفَتُ إلى كلامِ الْمُعَوِّقِينَ الذين انْطَلَقُوا في نَفْيِ فَضْلِها وقد ثَبَتَ عَمَّنْ لا يَنْطِقُ عن الهوى، فَلَرَسولُ اللهﷺ أولى بالاتِّباعِ كما لا يَخْفَى عن أدْنى مُبْتَدِئٍ في طَلَبِ العِلْمِ وهو يُلَقَّن أول ثوابِتِهِ الْمُؤَسِّسَةِ للفهم السليم، بالفقه الراشد.
وعليه؛ فقيامُ ليلِها لِفَضْلِ شعبانَ خاصَّةً، وفَضْلِ تَجَلِّياتِ الحَقِّ كُلَّ لَيْلَةٍ عامَّةً، كما وردَ في الصحيحِ، وصيامُ نَهارِها لِفضْلِ الشهرِ عامَّةً، وفَضْلِ لَيْلَتِهِ خاصَّةً واضحِ الجَوازِ وضوحَ الشمسِ في رابِعةِ النَّهار.
إذن؛ فالْمُفْلِسُ مَنْ يُعرِضُ عن نَفَحاتِ مَولاهُ في الشهرِ كُلِّهِ، والرابِحُ مَنْ طَمِعَ بالغُنْمِ الوافِرِ بالتِّجارَةِ في محرابِ تنَزُّلاتِه سبحانه وتجلياتِه في السََّحِر، وخُذْ أخي الحبيبُ هذه البِشارةَ القُدسيَّةَ العُلْوِيَّةَ مِنْ أنوارِ النَّفحاتِ الإلهيَّة ما ورد في الصحاح: «إنَّ اللهَ تعالى يَنْزِلُ كُلَّ ليلةٍ إلى سَماءِ الدنيا حتى يَبْقَى ثُلُثُ الليلِ الأخيرِ، فيقول: هل مِن تائبٍ فَأتوبَ عليه، هل مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فأغْفِرَ له، هل مِنْ سائلٍ فَيُعْطَى سُؤْلَهُ حتى يَطْلُعَ الفجرُ» وفي رواية؛ « ... وذلك كُلَّ لَيْلَةٍ ...»
هذا؛ ومِنَ الْمراسيلِ الجَيِّدَةِ -كما أشار الحافظ المنذري- حديثُ السيدةِ عائشةَ رضي اللهُ تعالى عنها الذي أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ قالت : قامَ رسولُ اللهِ ﷺ مِنَ الليلِ، فَصَلَّى فأَطالَ السجودَ حتى ظَنَنْتُ أنَّه قد قُبِضَ، فَلَمَّا رأيتُ ذلكَ قُمْتُ حتى حَرَّكْتُ إبهامَهُ فَتَحَرَّكَ فَرَجَعْتُ فَسَمِعْتُهُ يقولُ في سُجودِهِ : «أعوذُ بِعَفْوِكَ مِنْ عِقابِكَ، وأعوذُ بِرضاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وأعوذُ بَكَ مِنْكَ إليكَ، لا أُحْصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثْنَيْتَ على نَفْسِكَ» فَلَمَّا رَفَعَ رأسَهُ مِنَ السُّجودِ، وفَرَغَ مِنْ صلاتِهِ قال: «يا عائشةُ! أَظَنَنْت أنَّ النَّبيَّ قد خاسَ بِكِ؟» قلتُ لا واللهِ يا رسولَ اللهِ! ، ولكني ظَنَنْتُ أنَّكَ قُبِضْتَ لِطُولِ سُجودِكَ، فقال : «أتَدْرينَ أيَّ ليلةٍ هذه؟» قلتُ الله ورسولُهُ أعلَمُ.
قال: «هذه ليلةُ النِْصِف مِنْ شعبانَ، إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ يَطَّلِعُ على عِبادِهِ ليلةَ النِّصِف مِنْ شعبانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُسْتَغْفِرينَ، ويَرْحَمُ الْمُسْتَرْحِمِينَ، ويُؤخِّرُ أهلَ الحِقْدِ كما هُمْ»، -أي : حتى يَرْجِعُوا بالعَفْوِ وسَلامَةِ القلبِ- وفي رواية ؛ أنَّها لَمَّا سألَتْهُ عن الدعاءِ الذي سمِعَتْهُ في سجودِه قال لها : «يا عائشةُ تَعَلَّمِيهِنَّ وعَلِّمِيهِنَّ، فإنَّ جِبْريلَ عليه السلامُ عَلَّمَنِيهِنَّ، وأمَرَنِي أنْ أُرَدِّدَهُنَّ في السجود»
فاغْتِنِمْ أيها الأخُ الحبيبُ نفحاتِ مولاكَ، وخُصَّنا بِدُعاكَ.