
ضياع المرء بين أخذ الحلال والحرام
كُتبت منذ أسبوع
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال :
«يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام»
| رواه البخاري /١٩٥٤ |
·يأتي على الناس زمان؛ هو زمان الفتن كما قال العلماء -ولعله من جملة علامات الساعة يوم يَرِقُّ الدِّينُ -أي يضعف شأنه في قلوب العباد- فيَكْرَهُون الموتَ، ويُحِبُّونَ الحياةَ، ثم تَسْتَحْكِمُ فيهمُ الأثَرُة ، فَيَغْفُلونَ عن التَّفَكَرُّ ِبيومِ الحِسابِ والسؤالِ، وكأنَّ الموتَ كُتِبَ على غَيرِهِمْ نسألُ اللهَ تعالى العافية.
· لا يبالي المرءُ؛ لا يَكْتَرِثُُ المكلَّفُ -بالمطلبِ الشَّرعِيِّ- فيما يَصِلُ إليه مِنْ مَتاع الدنيا اللَّهُمَّ إلا فيما يَتَمَتَّعُ به، ويُحَصِّلُ مِنْ خِلالِه شَهواتِهِ ومُبْتَغَياتِه.
·ما أَخَذَ منه؛ أخَذَ مِنْ غَيرِهِ -من الأموال- أياً كان هذا الغيرُ بَرّاً أو فاجِراً ، حيثُ لا يكونُ منه إلا الْمُسارَعَةُ لأخذِه وامْتلاكُه.
·أمِنَ الحَلال؛ أي: مِمَّا أحَلَّ اللهُ تعالى كَسْْبَهُ بشروطِهِ وضَوابِطِهِ بِما أَذِنَ به الْمُشَرِّعُ في شَرْعِهِ الحَنيفِ، مِنْ ضابِطِ مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ في أنَّه حلالٌ عَبْرَ طَلَبِهِ تَعَلُّماً مِنْ فَقِيهٍ كَما كانَ هو الشَّرْطَ الأساسَ لَدى الصَّدْرِ الأوَّلِ على كُلِّ مَنْ يَعْزِمُ على التِّجارَةِ بَيْعاً وشِراءً، كَمَعْرِفَةِ شَرْطِ الصحَّةِ في التبايُعِ، وصِحَّةِ مَلْكِ الْمَبِيعِ أو تَمْليكِهِ مِنَ الإيجابِ والقَبولِ بينَ الْمُتَبايِعَيْن، وكذا أحكام العقود المتنوعة من شركة وغيرها، فَغَدا مَعلوماً بداهَةً أنَّ أحَداً لا يَكْتَرِثُ اليومَ بذلِكَ؛ إلا بِما يجمعه مِنَ المال.
·أم مِنْ الحرامِ ؛ غيرِ المخالِفِ لِلْمَنْهِيَّاتِ؛ كالرِّبا والْمَيْسِرِ، والغَصْبِ، وما حَرُمَ الْمُتاجَرَةُ به كالخَمْرِ، وما شاكلَ ذلك، لا سيَّما الْمُسْتَقَى بِما فيه ضَرَرُ الناسِ كبيعِ الدُّخانِ في زمانِنا، وبيع لحومِ الغربِ غَيْرِ المذكاة -أي بالذبح الشرعي-، وكذا ما يَجْدُرُ ذِكْرُهُ اليومَ مِمَّا بُدِّلَتْ أسماؤُها مِنَ الخمورِ والمفترات الْمُساةِ بِمَشْروبِ الطاقَةِ المفترة والمؤذية للبدن والْمُفْسِدَةِ للعقلِ ، والكثير مما ابتليت به الأمة في زماننا وقد أعرضَ الناسُ عن مَعرفَةِ حُكْمِ الشرْعِ فيها حرصاً على كَسبِ المالِ، وتحقيقِ الأهواءِ والشهواتِ الْمُهلكات.
·تتمة مهمة؛ روى الحاكم من حديث الحسن عن أبي هريرة رضي الله تعالى يرفعه : «يأتي على الناسِ زمانٌ لا يَبْقَى فيه أحَدٌ إلا أكَلَ الرِّبا، فإنَّ لَمْ يأكُلْهُ أصابَهُ مِنْ غُبارِهِ»، أقول: والمتأمل لطرائق الصرف بين الناس اليوم يدرك مدلول الحديث النبوي من غير عناء ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكذا المتأمل أسلوب التجارة بالذهب يجد أن من أوائل ما يتداخل فيه الربا بين المتبايعين، فالشراء بثمن، والبيع بثمن.
ناهيك عَمَّا يَحْرِصُ الْمَرْءُ على مَلْكِهِ بِوْضِع اليَدِ على دارٍ أو مكانٍ دونَ اكتراثٍ بالبَحْثِ عنْ مالِكِهِ ، بل والطَّامَّةُ الكُبْرى في ذلك هي استخراجُ فتاوى باطِلَة لا أصلَ لها في الشرع وبإجماع جمهور الفقهاء ليستحلها. نعم ! كل ذلك من نقص الإيمان، وبعد المراقبة للديان
· ختاماً؛ أقولُ لِكُلِّ مَنْ يَسْتَحِلُّ الحرامَ: اتَقِّ اللهَ تعالى فيما تَفْعَلُ، فَإنَّ الشاهِدَ هو الحاكِمُ؛ ألا وهو الجَبَّارُ الجليل.
فاللهم! أغْنِنا بِحلالِكَ عنْ حَرامِكَ، وبِطاعَتِك عن مَعْصِيَتِكَ ، وبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سواك. وباعِدْ بينَنا وبينَ الحرامِ كما باعَدْتَ بينَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ. آمين