
فضل العبد في إماطته الأذى عن الطريق
كُتبت منذ أسبوع
عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«مَنْ أماطَ أذىً مِنْ طَريقِ الْمُسْلِمينَ كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ، ومَنْ تُقُبِّلَتْ منه حَسَنَةٌ دَخَلَ الجَنَّةَ»
|الطبراني في الكبير والبخارى في الأدب المفرد انظر الترغيب والترغيب للحافظ المنذري|
·مَنْ أماطَ؛ أماطَ؛ أزاحَ وأزالَ إزالةً تُتَرْجِمُ عبادَةً تُقَرِّبُهُ مِنَ اللهِ تعالى، فإنَّ أيَّ عَمَلٍ يَقْتَرِنُ بصادِقِ النِيَّةِ وحُسْنِ القَصْدِ ومُراقَبَةِ الحَقِّ سبحانَه وتعالى إنَّما يَرْفَعُ صاحِبَهُ ويُعْلِي قَدْرَه.
·أذىً؛ جاءَتْ مُنَكَّرَةً للتقليلِ، والمعنى؛ أنَّ ذلكَ الأذَى الْمَتَوَضِّعَ في طَريقِ النَّاسِ مَهما قَلَّ، فلا يَقِلُّ أَجْرُهُ عن الأذَى الكثيرِ ، أو الكبيرِ ، لأنَّ الْمَوْلَى الجليلَ يُعامِلُ الصادِقِينَ في أعمالِهِمْ بما هو أهلُهُ.
·مِنْ طَريقِ الْمُسْلِمينَ؛ أي ؛ كُلُّ طَريقٍ يَسْلُكُهُ الْمُسْلِمُونَ كَسبيلٍ لِمَقاصِدِهِمْ وأعمالِهِمْ ومَعاشِهِمْ مُتَسَبِّبِينَ فيها ، تَيْسيراً عليهم ، ومَنْعاً لِأَدْنَى أذىً قد يَصِلُهْم فَيُعَثِّرُهُمْ ، ويَكْسِرُ عليهمْ مَقاصِدَهُمْ.
وهنا أقولُ -قارئي العزيز- : إنكَ أيها المتأمِّلُ في ذلكَ التوجيهِ النَّبَوِيِّ مهما بَحَثْتَ في تاريخ السابقين من الأمم ، فإنَّكَ لَنْ تَجِدَ المال في ذلكَ كمَا تَجِدُه في الهَدْيِ النَّبَوِيِّ الرَّاشدِ، فالإسلامُ مَصْنَعُ الحضاراتِ الهادية المتجددة، وعليه؛ فإذا قَصَّرَ المسلمونَ فيه، فإنَّ الْملامَةَ عليهم لا على الإسلامِ الذي جاءَ بالكَمالاتِ في كُلِّ الأوامِرِ والنَّواهِي والإرشادات.
هذا؛ وتَعْيينُ المسلمينَ على التَّغْليبِ ذلكَ أنهُ مُجْتَمَعُهُمْ على العموم ، والمقصودُ : طريقُ النَّاسِ عامَّةً لأنهُ حَقُّ الجميعِ، والإسلامُ دينُ إرادةِ الخيرِ للغيرِ على العمومِ بِحُكْمِ الْمُواطَنَةِ والحقِّ الْمُكْتَسَبِ بِتَعْيينِ الحَقِّ لأهلِهِ دونَ تمييزٍ، وذلك مِنْ عَدْلِ الإسلامِ ومَسالِكِ الدعوةِ إلى اللهِ تعالى بالْمَكارِمِ الهادِية.
·كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ؛ هي عطاءُ ربِّ العالَمِينَ ولا يُقالُ لِعطائهِ جَلَّ وعَزَّ قليلٌ، فَفي قَوْلِ النَّبِيِّ الأعظمِ ﷺ «حسنة» إشارة إلى كَوْنِها مَكْتُوبَةً للعبدِ مِنَ الْمَعْبُودِ سبحانَه وتعالى القائل في كتابه الكريم:
(قُل كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً) الإسراء/٨٤
· ومن تُقُبِّلَتْ منه حَسَنَةٌ دَخَلَ الجنَّةَ؛ فالنَّتيجةُ رَهْنٌ بالْمُقَدِّمَة، وعليه؛ فدُخولُ الجنةِ بذلكُمُ العملِ الذي لا يَتَكامَلُ قبولاً عندَ اللهِ تعالى إلا بِسلامَةِ الطَّوِيَّةِ عَبْرَ ابْتِغاءِ وَجْهِ اللهِ تعالى صادِقاً مُخْلِصاً، فَصُورَةُ العملِ جُهْدٌ مُتَعَلِّقٌ بالأرضِ وما فيها مِنَ الأقذارِ والموانِعِ التي تُشيرُ إلى ذِرْوَةِ التواضُعِ الحَقِّ الْمُغَيِّبِ لِنَفْسِهِ بِشُهُودِ الواعِدِ الكريمِ في صاحِبِهِ الْمُراقِبِ لِرَبِّهِ والذي هو -لحظاتِ إزالةِ الأَذَى- ما كانَ يُعْنِيهِ إلا التَّفاعُلُ مع هَدْيِ الحبيبِ الأكرمِﷺ دونَ تَعْويلٍ على شأنِهِ أو مَكانَتِهِ بينَ النَّاِس، وذلكَ مِنَ النُّبْلِ السَّامِي الذي لا يُمْكِنُ أنْ يَتَمَتَّعَ به إلا المؤمنُ الذَّائقُ طَعْمَ الإيمانِ، وتلكَ هي الخِدْمَةُ الْمُثْمِرَةُ سِيادةً وكَرامَةً لِلْمُؤْتَسِي بالسيِّدِ الأعظمِ عليه الصلاة والسلام في الدارَيْنِ، لِذلَكَ فَلا عَجَبَ أنْ يكونَ حَظَّهُ دخولُ الجنَّةِ، ولَعَلَّهُ مع تمامِ كَرَمِ الواعِدِ الكريمِ سبحانه وتعالى أن يكون -أي: دخولُ الجنة- بلا حسابٍ ولا عِقاب.
إذن؛ فلا يَبْعُدُ أنْ يكونَ عَمَلاً جَليلاً عندَ اللهِ تعالى مُكَفِّراً لِلذُّنُوبِ وساتِراً للعيوبِ ورافِعاً لِلدَّرجاتِ وبِرِفْقَةِ سيِّدِ الساداتِ عليه أفضلُ الصلواتِ وأكملُ التَّسليمات.
ختام؛ عنِ الْمُسْتَنِيرِ بنِ أخْضَرَ بنِ معاويةَ، عن أبيهِ، قال: كنتُ مع مَعقِلِ بنِ يسارٍ رضي اللهُ تعالى عنه في بعضِ الطُّرُقاتِ، فَمَرَرْنا بأذَى، فأماطَهُ -أو قال: نحَّاهُ- عن الطريقِ، فرأيتُ مثلَهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَنَحَّيْتُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، وقال: يا بنَ أخي ما حملَكَ على ما صَنَعْتَ؟ قلتُ: يا عَمُّ رأيتُكَ صَنَعْتَ شيئاً، فَصَنَعْتُ مثلَه. -أي : أنه ائتسى به- فقال : سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ : «مَنْ أماطَ أَذَىً مِنْ طَريقِ الْمُسلمينَ كُتِبَتْ له حَسَنَةٌ، ومَنْ تُقُبِّلَتْ منه حَسَنَةٌ دَخَلَ الجنةَ»