
حُرمة الأكابر
كُتبت منذ أسبوعين
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:
«البركةُ مع أكابِرِكم»
| أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه وغيرهما |
· البركةُ؛ هي الزيادَةُ والنُّمُوُّ مِنَ الخيراتٍ حِسَّاً ومَعنىً، على الحِسِّ؛ ففي الأَعمارِ والأرزاقِ، والعافية، والذُّرِّيَّةِ، وعلى الجانب المعنوي؛ ففي وُسْعَةِ دائرةِ التَجَلِّياتِ، وفي مَدارِكِ الفَهمِ في العِباراتِ ، وفي ساحةِ الاسْترواحِ بِتَنَزُّلاتِ العليمِ الفَتَّاح.
·مع؛ مَعِيَّةُ شَرَفٍ وإعْزازٍ ورِفْعَةِ مَقامٍ، وهذا يَقْتَضِي مَعنى النُّصْرَةِ كما أشارَ الراغِبُ الأصفهاني في مُفْرداتِهِ، نحو قوله تعالى : (لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاْ) التوبة/٤٠ أي الذي مع الذي يُضافُ إليه في قولِهِ (مَعَنَا) هو مَنْصُورٌ، وقولِهِ تعالى : (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) النحل/١٢٨ ، وقولِهِ تعالى : (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ) البقرة/١٩٤
·أكابرِكُمْ؛ أي: علماؤُكم وفُضَلاؤُكُمْ، فَلا تَحْرِمُوا أنفسكم بركاتِهم مِمَّا خَصَّهُُمُ اللهُ تعالى به مِن المكارم بكل أنواعها، والإجلال بكل صنوفه، وعليه؛ فَكَأَنَّهُ أمْرٌ بمجالَسَتِهِمْ، والأخذ عنهم بالأدب بين يديهم.
هذا؛ والأكابِرُ مَنْ كانوا وما زالُوا أهل الضياء بنورِ الإسلام، وصفاءِ الإيمان، وشُهودِ الإحسانِ. فَسَرائرُهُمْ نَقِيَّةٌ، ونِيَّاتُهُمْ ثابِتَةٌ قَوِيَّة، وسَلامَةُ قُصُودِهِمْ ظاهِرَةُ الْمَعالِمِ بينَ البريَّة، وذلك فيما تَعَلَّمُوهُ ويُعَلِّمونهُ، وقد أثَّروا بأحوالِهِمْ قَبْلَ أقوالِهِمْ، وبأعمالِهِمْ قَبْلَ توجيهاتِهم.
وهنا القولُ الفصلُ؛ أنَّ مَنْ يَسْتَخِفُّ بهم، أو يؤذِيهِمْ أو يُسْقِطُهُمْ، فإنَّما يَرُدُّ التوجيهَ النَّبَوِيَّ الراشِدَ؛ إذن؛ فهو في خُسْرانٍ مُبينٍ أعاذَنا اللهُ تعالى مِنْ تَبَرُّئ النَّبيِّ ﷺ القائل : «ليس مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَُّّ كَبيرَنا ...» كما في مسند الإمام وغيره
فاللهم! اجْعَلْنا أهلاً لهذا التذكيرِ بِحُرْمَةِ البَشيرِ النَّذيرِ، وأعذنا من الحرمان يا ديان وأعِنَّا على الاسْتمساكِ بهديِهِ الرَّشيد عليه الصلاة والسلام، واجعلْنا مِمَّنْ (يَسْتَمِعُونَ القولَ فَيَتَّبعونَ أَحْسَنَهُ) لاسيَّما في زمانٍ كَثُرتْ فيه سقطات الأصاغر بالجرأة على الأكابر، وقد عميت بصيرتهم، ثم حُرِمُوا الفَهْمَ السَّديدَ ومكارمَ الأخلاقِ النبوية بالمطلب العلوي الرشيد، فَسَقَطُوا في ظلماتِ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ التَّحْذيرِ والوعيدِ.