
مِنْ أهَمِّ آدابِ الدُّعاء
كُتبت منذ 4 أسابيع
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنَّ رسولَ الله ﷺ قال :
«يْسْتَجابُ لِأَحَدِكُمْ ما لَمْ يَعجَلْ، يقول: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي»
|رواه الشيخان|
· يُسْتَجابُ لأَحَدِكُمْ؛ لأيٍّ ممَّنْ يَدعو ربَّه مُوقِناً بالإجابة ابتداءً ، غيرَ غافلٍ ولا ساهٍ
· مالَمْ يَعجَلْ؛ يَسْتَبْطِئ الإجابةَ لِما في ذلكَ مِنَ الغَفْلَةِ عن الحِكْمَةِ الإلهيةِ في اختيارِ الظَّرْفِ الْمُناسِبِ والْموافِقِ لِحالِ الداعِي، ومِنْ جانِبٍ آخَرَ لِما فيه مِنْ سوءِ الأدَبِ بينَ يديِ الله تعالى وذلك يُتَرْجِمُ الجهلَ بِمَعْرِفَةِ اللهِ وما يَليقِ بجليلِ قدْرِهِ سبحانه في نظامِ الصِّلةِ بينَ الخالِقِ والمخلوق، وبين العبدِ والمعبود، بل والغَيْبَةِ عن فَهمِ البَيانِ الإلهي القائلِ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَْدخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) غافر/٦٠
· يقولُ : دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي؛ في رواية ؛ قد دَعَوْتُ ربي، قال الحافظُ المناوي في شرحِه على الجامعِ الصغير: والْمُرادُ؛ أنَّهُ يَسْأَمُ، فَيَتْرُكُ الدُّعاءَ، فيكونُ كالْمانِّ بدعائه -أي : على اللهِ تعالى- قلتُ : ويَغْفُلُ عن جوهرِ التَّكْليفِ في الدعاءِ أنَّ الأصلَ فيه العبادةُ كما الدِّلالَةُ في البَيان الإلهي المذكور، وكما في الحديث النبوي المشهور: «الدعاءُ مُخُّ العِبادةِ ، بل هو العِبادة»، ذلك أنَّ مُجَرَّدَ الدعاءِ قُرْبَةٌ إلى المولى سبحانه، وأنَّ في اسْتِمْرارِهِ بتأخيرِ الإجابةِ مُضاعَفَةِ أجْرِ تلك العِبادةِ، أَضِفْ إلى ذلك عبادةَ انتظارِ الفرجِ المشار إليها في قولِه عليه الصلاةُ والسلامُ : «انتظارُ الفَرَجِ عبادة»، وفي كلِّ ذلكَ الخيرُ العَميمُ والأجْرُ الجَزيل.
ناهيكَ عن سِرِّ الجوهرِ في القُربة الْمُثْمِرةِ مكانَةً جليلةً عندَ المولى سبحانه وتعالى، فالعبدُ العارفُ هو الذي يَشْهَدُ الْمِنَّة مِنَ الله تعالى عليه أنَّهُ ارتَضاهُ داعِياً إيَّاهُ راجِياً قُرْبَهُ طالِباً عَفْوَهُ مُسَلِّماً لِقضائه كوِعاءٍ نُورانيٍّ لتلكَ الْمَعاني.
وخُلاصَةُ القولِ -دلالةً- في روايةِ مسلمٍ والترمذي : «لا يَزالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ ما لَمْ يَدْعُ بإثمٍ، أو قطيعةِ رَحِمٍ، ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ»
قيل : يا رسولَ اللهِ! ما الاستعجالُ؟ قال : «يقولُ : قد دَعَوْتُ، وقد دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عندَ ذلك، ويَدَعُ الدعاء»، فَتَرْكُهُ للدُّعاءِ يُشيرُ إلى حَصْرِ ذلكَ في مَصْلَحَتِهِ والغفلةِ عن كونِهِ عبادةً عظيمةً مَأْجورةً، وفيه ما فيه مِنْ سوءِ الأدبِ والجُرْأَةِ على اللهِ تعالى الْمُنْعِمِ الْمُمِدِّ بالنِّعمِ الدائمةِ ، والْمُتَفَضِّلِ بالعطايا الْمُتَنامِيَةِ.
فاللَّهم! ارزقْنا الأدبَ والتَّحَقُّقُ بمقامِ العبوديَّةِ الخالِصَةِ في محرابِ بيانِكَ الجليل : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) آمين