
جوهر الدِّين سَلْباً وإيجاباً في ضِدِّيْنِ لا يجتمعان "البِرّ والإِثم"
كُتبت منذ شهر
عن النَّواسِ بنِ سَمْعان رضي الله تعالى عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :
«البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاس»
|البخاري في الأدب المفرد ومسلم والترمذي وغيرهما|
·البِرُّ؛ هو الإحسانُ بالمعنى الأعَِمِّْ، وهو مِنْ أجْلى مَعانيه فقد شَمَلَ الغَيرَ عامَّةً والوالدَيْنِ والأرحام والجار خاصَّةً
وأمَّا جُذورُه التي تُبْنَى عليها آثارُ القَبُولِ فهي: ما أمَرَ به الشارعُ الحكيمُ مِنَ الْمَكارِمِ التي تُتَرْجِمُ حقيقةَ الإيمانِ باللهِ تعالى والتوحيدَ الخالِصَ له سبحانه لِأَنَّها عُنْوانُ الخَشيةِ منه عَبْرَ مُراقَبَتِهِ بالأقوالِ والأفعالِ بجوهرِ القُصودِ والنِّيَّاتِ، فَكَمْ مِنْ إنسانٍ تَوَجَّه إلى تجسيدِ شيءٍ ظاهِرُهُ مخالفٌ قصدَهُ الخفيَّ الذي لا يَطَّلِعُ عليه إلَّا (مَنْ يَعْلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى)، فإذا كان مخالفاً لِلْأَمْرِ الْمَرْضِيِّ شرعاً دَلًّ على غَفْلَتِهِ وعَدَمِ خشيتِه مِنْ خالِقِهِ، وذلك هو عَينُ الهوى ، فهو مِنْ هذا القَبيلِ باطنُ الإثمِ الذي حَذَّر منه البيانُ الإلهيُّ بقولِه: (وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ) لذا ربَطَهُ ﷺ بِمِفتاحِ الخَيْراتِ «حُسْنِ الخُلُقِ» كما سيأتي
·حُسْنُ الخُلُقِ؛ هو ذا الْمِفْتاحُ الْمَقْصودُ الْمُتَرْجِمُ لِسَلامَةِ القلبِ الكاشفِ عن سَلامَة العقيدة؛ ذلك أنَّ النبيَّ الأعظمَ ﷺ رَهَنَ صِحَّةَ كُلِّ أنواعِ المكارمِ بالإيمانِ عَبْرَ عبارتِهِ الثابتة المشهورة «لا يؤمن أحدكم حتى .. إلخ» الحديث، لذا اخْتَصَرَ الحافظُ الْمُناوِيُّ الْمُرادَ النَّبَوِيَّ بقولِهِ: هو التَّخَلُّقُ مع الحَقِّ والخَلْقِ، والْمُرادُ هنا الْمَعروفُ بِطلاقَةِ الوَجْهِ، وكَفِّ الأذى، وبَذْلِ النَّدَى، وأنْ يُحِبَّ للناسِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وهذا راجِعٌ لِتَفسِيرِ البعضِ له بأنه الإنْصافُ في المعامَلَةِ، والرِّفْقُ في الْمُجادَلَةِ، والعَدْلُ في الأَحكامِ، والإحسانُ في العُسْرِ واليُسْرِ إلى غيرِ ذلكَ من الخِصالِ الحَميدة.
وهنا القول؛ تُرى لَو ساءَل المرءُ نفسَه وتَدَبَّرَ أفعالَه وقُصودَهُ؛ تُرى هل هو مُسْتَظِلٌّ بوارِفِ ظلالِ ذلكَ الْمَقْطَعِ الجليلِ مِنْ كلامِ الناطِقِ بالحَقِّ ﷺ مَنْ لا يَنْطِقُ عنِ الهوى؟؟ إنه بِرَسْمِ كُلِّ مُكَلَّفٍ يَعلَمُ أنه -شاءَ أمْ أبى- بينَ يَدَي وِفْقَةٍ خَطِيرةٍ في ساحَةِ القَضاءِ الأعظمِ ، وأنهُ لَنْ يُنجِيَهُ يومها مِنَ الحساب العسير، ولن يَفُكَّ رقَبَتَه إلَّا إحسانُه في دارِ التَّكْليفِ، وبِرُّهُ بِما أُمِرَ به لِمَْن أُمِرَه سبحانه.
فاللَّهمَّ عَونَكَ وعَفْوَكَ يا كريم.
·والإثمُ ؛ في مُفرداتِ الراغِبِ الأصفهاني: الإثمُ والآثامُ اسمٌ لِلأفعالِ الْمُبْطِئةِ عن الثواب، وأمَّا الآثمُ، فهو الْمُتَحِّمُل الإثمَ قال تعالى : (آثِمٌ قَلْبُه)، وعليه؛ فالإثمُ هو الذَّنْبُ، وعادَةً هو ما يَكْرَهُ صاحِبُهُ اطِّلاعَ النَّاسِ عليه كما سأتي. حتى لَوْ أنَّكَ اتَّهَمْتَ اللِّصَّ بأنَّه سارِقٌ -وهوكذلك- لَغَضِبَ وأبى ودَفَعَ عن نَفْسِهِ ذلكُمُ التوصيفَ إمكانَه.
قال الحرالي: الإثمُ سُوءُ اعتداءٍ في قولٍ، أو فعلٍ، أو حالٍ، ويقالُ لِلْكذوبِ: أثُوم لاعتدائه بالقَولِ على غيرِه.
· ما حاكَ في صَدْرِكَ؛ اخْتَلَجَ في نَفْسِ العاصِي، فَأَفْرَزَ ظُلْمَةً لِعَدَمِ ائتلافِهِ مع النُّورِ النَّاِتِج عادةً مِنَ الطاعَةِ والتي هي البِرُّ والإحسانُ؛ لذا يَتَرَدَّدُ في القلْبِ، فَيُزيلُ الطُّمَأْنينةَ منه والسَّكينةَ عنه
·وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاس؛ ذلكَ أنَّ ذا العقلِ السليمِ لا يَقْبَلُ ما يُناقِضُ الذَّوْقَ الرفيعَ والقلبَ السليمَ ، فالعاصِي يأتي على ما يُسْتَحْيا منه ، فَيَسْتَحْيِي مِنَ النَّاسِ، وكان الأَجدرَ به أنْ يَسْتَحْيِيَ مِنَ اللهِ تعالى فلا يَعْصِيَهُ، ويُراقِبَهُ فلا يَغْفُلَ عنه، ويُحاسِبَ نفسَهُ لِيُيَسَّرَ حسابُه (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ*إِلَّا مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم)
· تنبيه؛ هذا الحديث مِنْ جوامعِ الكَلِمِ النَّبويِّ التي حَوَتْ مِنَ الْمَعاني الكثيرةِ الغَزيرةِ تحتَ الحروفِ القليلةِالرصينة. قال الحافظُ المناوي: لأنَّ البِرَّ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ خيرٍ ، والإثمَ جامِعٍ للشرِّ كله. فَصَلَّى اللهُ على مُعَلِّمِ النَّاسِ الخيرِ كُِّله.
اللهم! اجْعَلْنا مِمَّنْ (يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه)